عبد الوهاب الشعراني

310

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتعطر لذلك حتى كان إذا لمس شيئا يمكث يفوح الطيب منه زمانا وكان وبيص المسك يلمع من مفرقة صلى اللّه عليه وسلم . وكان يقول : الغيبة فاكهة القراء ، وضيافة الفساق ، وبستان الملوك ، ومراتع النسوان ، ومزابل الأتقياء . وكان رضي اللّه عنه يقول : يا ولدي لا تودعن كلامي إلا عند من كان منا وأحب أن يسلك طريقنا ولا تلقه إلا لمحب محق يدخل تحت طينا وينقاد لنا فإن ذكر الكلام لغير أهله عورة . وكان يقول : طريقتنا هذه ما هي طريق تمليق بل هي طريق تحقيق وصدق وتصديق وموت وكد وجهد وشد وحزم وكدم وكسر نفس من غير دعوى واتضاع وخضوع وذلة وفراسة ورقوم وعلوم فيا أولادي إذا عملتم بموعظتي وعادت إشارتي كلها فيكم كانت إجازتي مطهرة مكملة بالسر والمعنى ، فإن المقامات ما هي محجوبة عنكم إلا بكم . وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يكون الفقير فقيرا حتى يكون حمالا للأذى من جميع الخلائق إكراما لمن هم عبيده سبحانه وتعالى فلا يؤذي من يؤذيه ولا يتحدث فيما لا يعنيه ولا يشمت بمصيبة ولا يذكر أحدا بغيبة ورعا عن المحرمات موقوفا عن الشبهات إذا بلى صبر وإذا قدر غفر غضيض الطرف يعمر الأرض بجسده والسماء بقلبه طريقة الكظم والبذل والإيثار والعفو والصفح والاحتمال لكل من يتحدث فيه بما لا يرضيه . وكان يقول : وا غوثاه من أهل هذا الزمان ، واللّه لو كان في العمر مهلة لسكنت في أكم الجبال وبطون أودية الوحوش فإن الرجل الآن بين هؤلاء الناس في أشد الجهاد قلوب شاردة وأحوال مائلة وشهوات غالبة قد عدموا الصدق في الأحوال ، وكيف يقدر الضعيف على صون الروح من عشرتهم والود لهم وغض بصره عن رؤية عوراتهم ليلا ونهارا ويصبر معهم على كل فتنة وشهوة وأذى من غير أن يقابلهم بمثله هذا لا يطيقه إلا الصالحون . وكان رضي اللّه عنه يقول : كم من واقف في الماء وهو عطشان لهفان أعني إذا لم يحصل له الصدق في طلب مولاه بل عبد ربه على علة ، فاعملوا بالإخلاص لترووا من ظمأ العطش فإن طريق اللّه تعالى لا تنال إلا بقتل الأنفس وذبحها بسيف المجاهدة والمخالفة .